السعيد شنوقة
222
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
الخرافات والأساطير في الأوساط الشعبية لكشف فسادها جعل بعض الدارسين مثل جولد زيهر يعدّه سابقا على المعتزلة في تأويلاته العقلية لمسائل كثيرة ، فقال : « وقد ذهب مجاهد أبعد ما اجترأ عليه من بعد علماء المعتزلة » « 1 » ونفهم من هذا أنه يريد أن يقرّ بأن المعتزلة سبقوا إلى التأويل لأن هذه السمة التفسيرية التي كان عليها مجاهد تجعلنا نتفهّم ما يريد هذا الباحث إقراره بأن المعتزلة لم يكونوا هم الذين شقّوا الطريق إلى التفسير المجازي للعبارات التي تدل على التشبيه ، وإنما ينحصر فضلهم في جعلهم هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية التي يفهم منها التجسيم والتشبيه « 2 » . ويمكننا الاستئناس بهذا الطرح بخاصة حين ندرك أن مجاهد المتوفى سنة 104 ه كان يعاصر الحسن البصري الذي توفي بدوره سنة 110 ه . وأنت ترى بأنه كان غير بعيد بنزوعه العقلي في التفسير عن المعتزلة . لكن التفسير في هذا الحد من الاجتهاد والنزوع العقلي مثلت حالات مفردة ارتبط فيها التأويل بالمحكم والمتشابه والنزاع السياسي كما ذكرنا قبل . بيد أن هذا النزاع سيزداد تحديدا مع الحسن البصري الذي تميّز جوّ عصره بالجدال والمناظرة بأواخر القرن الهجري الأول وبداية الثاني « 3 » ، فهذا الرجل فرّق في التفسير بين ما هو دليل بظاهره من القرآن الكريم وبين ما يحتاج إلى التأويل دون أن يستعمل ألفاظ المحكم والمتشابه والتأويل والمجاز لأنها لم تتوقع بعد . لكن رسالته « في القدر » كما ذهب إليه نصر حامد أبو زيد مثّلت أقدم وثيقة تكشف الخلاف العقدي المرتبط بالتأويل لهدف محدد هو إثبات مسؤولية الإنسان عن فعله « 4 » رغم أن الشهرستاني شك في نسبة هذه الرسالة إليه « 5 » . ونحن نرى أنه لا تتعدى صحة هذه الإشارة إلا والحسن قال بما ذهب إليه السلف مهادنة وتقية ، وأنه كان يضمر معتقد القدرية . وإذا كان التفسير قد تدرج من النقل عن طريق التلقي والرواية إلى خطوة تدوينه بابا من
--> ( 1 ) مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 130 . ( 2 ) انظر م ن ، ص ، 133 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 145 - 146 . ( 3 ) انظر محمد أبو زهرة ، تاريخ الجدل ، دار الفكر العربي ، ط 1 ، 1934 م ، ص 305 وما بعدها . ( 4 ) انظر الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 147 - 148 . ( 5 ) هي رسالة ذكر أنه كتبها إلى عبد المالك بن مروان كان سأله عن القدر والجبر فردّ عليه الحسن البصري بما يوافق القدرية مستندا إلى القرآن الكريم والأدلة العقلية . قال الشهرستاني : " ولعلها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممن يخالف السلف في القدر خيره وشره من الله تعالى " الملل والنحل ، ج 1 ، ص 61 .